الزكاء والذكاء


الزكاء قبل الذكاء

كان من دعاء إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129] فجعل التزكية بعد التلاوة والتعليم، فاستجاب الله دعاء إبراهيم فقال: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [البقرة: 164]  ولكن الله جعل التزكية قبل التعليم وبعد التلاوة. وكذلك في قوله تعالى: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 151] وفي قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ} [الصف: 2]

فما السر في تقديم التزكية على التعليم وتقديم التلاوة على التزكية؟

إن تلقي هدى الله بحاجة إلى أساس نظيف، فالعلم قد لا ينجي صاحبه ما دام يحمل في نفسه هوى متبعا وشهوة مستعرة، فالعالم الذي لا يزكي نفسه يضل ويضلل الناس بعلمه، قال تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ؟} [الجاثية: 23] وقال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} [الأعراف: 175]

ولهذه الخطورة البالغة قال الإمام علي رضي الله عنه: قصم ظهري رجلان: عالم مُتَهَتِّك وجاهل مُتَنَسِّك، فهذا يضل الناس عن علمه بتهتُّكه، ووهذا يدعوهم إلى جهله بتنسُّكه.
فمن أعطي ذكاء العقل وكثرة العلم دون زكاء القلب وطهارة النفس، فإنه يسخر علمه وعقله لخدمة هواه ويلوي أعناق النصوص لتنسجم مع نفسه الأمارة بالسوء. فلذلك كانت تزكية النفوس لا بد أن تتقدم عملية التعليم.

وأما كون التلاوة قبل التزكية، فإن تلاوة آيات الله هي أعظم وسيلة لتزكية النفوس، وهي المادة الأساسية لهداية الناس، ولا تستقيم التزكية إذا كانت بمنأى عن القرآن الكريم، وتشطح التزكية إذا ابتعدت عن هدي القرآن الكريم. فالقرآن الكريم هو الذي جعل المسلم متوازنا بين تزكية روحه والعناية بجسده، وبين الاجتهاد للآخرة والعمل للدنيا، بين الأمور الشخصية والشؤون الاجتماعية، فكل هذه الجوانب رعاها القرآن باعتدال وتوازن، فإنه الهدي الشامل والنظام المتكامل، والحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.

اللهم ارحمنا بالقرآن واجعله لنا إماما ونورا وهدى ورحمة...

Labels: ,