الخلاف سنة

الخلاف بين الناس سُنَّة إلهية كونية، اقتضتها الحكمة الربانية، قال تعالى: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} (هود: 118- 119)...ودعوى عدم وجود خلاف هي حلم يتمناه كل مسلم، والتأليف بين الأمة والسعي في التوفيق بينها وجمع شملها على الحق والتقريب بين فئاتها المختلفة والمتنازعة هي من أعظم الأمور وأفضل أبواب الخير، ولقد كان الأعداء يؤججون هذا الصراع ويحصدون نتائجه، والمسلمون لا يحصدون سوى الخيبة والفشل، ولاشك أن الإسلام رسم للأمة طريق وحدتها واجتماعها، قال تعالى: {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانًا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون} (آل عمران: 103).

وما حصل ما نراه من التفرق والخلاف إلا بالبعد عن المنهج الرباني الذي بيَّنه- سبحانه- في كتابه الكريم الذي يلجأ إليه المسلمون عند الاختلاف والنزاع، فالتفرق يتحول بالضرورة إلى خصام فعداء، ويبعدنا عن الحصول على ثرواتنا والاستفادة منها، وهي موجودة، ويبعدنا كذلك عن الاستفادة من القوة والعطاء، والاستهانة والتجرؤ على الأمة.

والبغي والتنافس على الدنيا ورئاستها، والوجاهة وسائر الشهوات، والتعصب المذموم للأسماء والأشخاص، من أعظم أسباب الخلاف والاستطالة، ومن تأمل التاريخ عرف هذا، وهناك جهود خفية مستمرة منذ زمن طويل تبذل لتفريق المسلمين وتفريغ قوتهم، والقضاء على حضارتهم الأصيلة، فالأفكار والانتماءات الدخيلة فتكت بالأمة، وزرعت فيها المشاعر العصبية والأنانية الاجتماعية.

فلابد من دراسة علمية منهجية توضح الرؤية، وتبيِّن الطريق، ليكون التقريب والتوفيق، إن أمكن، على بيِّنة ومنهج واضح، ومن الضروري أن تتكاتف جهود الباحثين لكشف أسباب الخلاف وأصوله التي وضعها أعداء الإسلام، وأن يُسد الفراغ في حياتنا بقاعدة راسخة من المبادئ التي تشكل قاسما مشتركا يؤمن به ويخضع له الجميع، فتصبح في حياتنا كالميزان الذي يحتكم إليه الطرفان كلما اختلفا على أمر، فلا تدع شيئا من الخلافات، وأن تُذاب الآراء والجهات المتخالفة حتى يقضى على آفاتها ونذر الشقاق فيها، فالجهد الجماعي لا يثمر إلا إذا كان في وحدة حقيقية مترابطة.

Labels: