البقرة 153


الجزء الأول  
----------------


بعد أن توجَّه الخطاب القرآني إلى بني إسرائيل - والعلماء منهم خاصة - بالترهيب والإنكار والتوبيخ على ما كان منهم؛ انتقل إلى أسلوب الترغيب والتحفيز، فجاء الأمر بالاستعانة بالصبـر، إذ به ملاك الهدى والسداد؛ وجاء الأمر بالاستعانة بالصلاة، إذ بها الفلاح والرشاد.
وبيان ذلك: أن مما يصد الناس عن إتباع الدين القويم إلفهم بأحوالهم القديمة، وضعف النفوس عن تحمل مفارقتها، فإذا تخلَّقوا بأخلاق الصبر سهل عليهم إتباع الحق، ومفارقة ما أَلْفَوْه من عادات جاهلية، وأعراف لا يقرها الشرع الحنيف.
ومن هنا جاء الأمر لبني إسرائيل بالاستعانة بالصبر على الوفاء بما عاهدوا الله عليه في طاعته وإتباع أمره، وترك ما يميلون إليه من الرياسة وحب الدنيا، ومن ثم التسليم لأمر الله، وإتباع رسوله محمد صلى الله عليه وسلم.
وحسبك بمزية الصبر أن الله جعلها سببًا من أسباب الفوز، قال تعالى: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}.
قال الغزالي رحمه الله: ذكر الله الصبر في القرآن في نيِّف وسبعين موضعًا، وأضاف أكثر الخيرات والدرجات إلى الصبر، وجعلها ثمرة له، قال سبحانه: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا}... (السجدة : 24)، وقال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ}... (الأعراف : 137) وقال أيضًا: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}... (البقرة : 153) والآيات كثيرة في هذا المعنى.
وأنت - قارئي الكريم - إذا تأملت وأمعنت النظر، وجدت أن أصل التدين والإيمان راجع إلى الصبر؛ فإن فيه مخالفة النفس هواها ومألوفها في التصديق بما هو مغيب عن الحس الذي اعتادته، وفيه طاعة خالق لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، فإذا صار الصبر خُلُقًا لصاحبه، هان عليه كل شيء لأجل الخضوع للحق والتسليم للبرهان.
وبهذا يظهر وجه الأمر بالاستعانة على الإيمان وما يتفرع عنه بالصبر، فإنه خُلُق يفتح أبواب النفوس لقبول الحق والخضوع له.
أما طلب الاستعانة بالصلاة، فهي فضلاً عن كونها شكرًا للمنعم وخضوعًا لأمره، فإن فيها صبراً من جهات عدة؛ إذ فيها مخالفة حال المرء المعتادة، ولزومه حالة في وقت معين، وفيها تجلية الأحزان وكشف الكربات.
وقد صح في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه (كان إذا حَزَبه أمر صلى) رواه أبو داود و أحمد، أَي: إذا نزل به أمر مُهِمّ، أَو أَصابَه غمّ وهمٌّ واشتد عليه بادر إلى الصلاة؛ وقوله عليه الصلاة والسلام: (أرحنا بها يا بلال) رواه أبو داود و أحمد، وهذا أمر يلمسه من تحرَّاه وقصده من المصلين، ويكفيك في ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} ففي الصلاة أكبر العون على الثبات في الأمر، والعزيمة في الرشد.

Labels: